محمد أبو زهرة

637

زهرة التفاسير

توجه إليه استغرابا لدعاويه ، أو استبعادا لها ، وثقها بأن أشهد الله على أن ما في قلبه يوافق ما يجرى على لسانه . فمعنى قوله تعالى : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أنه يقسم بالله تعالى إن ما جرى على لسانه هو نفس ما يختلج في قلبه ، أو ما يؤمن به ولقد قرر علماء اللغة أن من ألفاظ القسم : الله يعلم أنى فعلت كذا ، أو الله يشهد أنى قلت كذا ؛ فهذا توكيد بالأيمان معروف في لغة العرب ، ولقد قرروا أن الحلف على هذا النحو أوكد وأوثق من القسم الصريح ، وقال بعض الفقهاء : إن من يقول كاذبا : الله يشهد بكذا أو يعلم بكذا ، مؤكدا كذبه بذلك ، يعتبر مرتدا ؛ لأنه كذب على الله ، أو رماه بالجهل ، وعندي أن ذلك لا يعد كفرا لعدم القصد إلى ذلك المعنى الإلحادى ؛ ولكنه على أي حال مستهين بحق الله عليه كشأن كل حالف بالكذب ، سواء أكان الحلف بلفظ صريح في الحلف ، أو بلفظ يؤدى إليه . أولئك المخادعون الذين يخدعون الناس ولا يخدعون الله هم الذين يقطعون أوصال الأمة ، وبهم تبتلى ، وبسببهم تنزل الفتن ويثور الشر ، وتذهب الثقة بين الناس ، وتقوم العداوة بينهم مقام المودة ، والبغضاء محل الإخاء ؛ لأنهم بخديعتهم للناس ، ثم تكشف أحوالهم بمرور الأيام تضيع الثقة ؛ ثم الذين يعمدون إلى تلك الأساليب الماكرة لا يبغون خيرا ، بل لا يبغون إلا شرا ؛ لأن الأخيار لا يحتاجون إلى إخفاء نياتهم ، وما يجول في قلوبهم ؛ إنما الذين يبدون ما لا يخفون هم الذين توسوس نفوسهم بالشر والهوى ، ولا يريدون أن يطلع عليه أحد ؛ ولذلك عرّف النبي صلى اللّه عليه وسلم الشر بأنه : « ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس » « 1 » ، فالشر لا يعيش إلا في كنّ مظلم والنور يقتله ، والخير يزيده النور وضوحا وقوة ونماء ؛ ومن كان الشر غايته فهو عنصر مخرب مفسد مهلك ؛ وهو بلاء لأمته وجماعته وأسرته ؛ بل بلاء على نفسه في الدنيا عندما يعلم أمره ، وفي الآخرة له عذاب أليم .

--> ( 1 ) عن النّوّاس بن سمعان الأنصارىّ قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البرّ والإثم فقال : « البرّ حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه النّاس » . [ رواه مسلم : البر والصلة : البر والإثم ( 4632 ) ، والترمذي في الزهد ( 2311 ) وأحمد ( 16973 ) ، والدارمي : الرقاق ( 2670 ) .